اسأل الكنيسة | السنكسار | البث المباشر | الاستبيان
 
تشتهر المعادى بأنها إحدى المحطات التى أقامت فيها العائلة المقدسة عند قدومها إلى مصر.. وقد عبرت العائلة إلى البر الغربى بعد فترة الإقامة فى نفس موقع كنيسة العذراء الحالى.. وتم العبور بواسطة معدية من المعديات ( أو المعادى ) التى اشتهرت بها تلك المنطقة لدرجة ان أطلق الاسم عليها.. وبعد سنوات تحول المكان الذى تبارك بوجود السيد المسيح مع أمه العذراء ويوسف النجار إلى كنيسة على اسم السيدة العذراء ثم تحول الى دير للراهبات ثم إلى دير للرهبان ظل عامراً حتى آخر عصر الفاطميين وكان يرتبط بعلاقات مودة مع مجموعة من الأديرة العامرة على طول جبل المقطم والتى أنشأها الأنبا ارسانيوس معلم أولاد الملوك.
الخدام >>















  رايك ايه؟؟
ما رأيك في موقع اجتماع الخدام؟
ممتاز
جيد جدا
جيد
مقبول
النتيجة
غرفه الكنيسة علي البالتوك
تقوم كنيسة مارمرقس بالمعادى ببث مباشر على الإنترنت عبر برنامج الپالتوك Paltalk

أضغط هنا للمزيد


عرس قانا الجليل

في الأصحاح الأول قدم لنا الإنجيلي يوحنا بكور التلاميذ، الآن يقدم لنا بكر المعجزات ألا وهي معجزة تحويل الماء خمرًا في عرس قانا الجليل في بدء خدمته، حيث بدأ عصرًا جديدًا مسيانيًا، فيه تتحول مياه التطهيرات حسب الناموس القديم إلى خمرٍ من صنف جديد.
كان اليهود يترقبون العصر المسياني المتسم بالفيض من الخيرات مع الفرح الفائق للطبيعة. وقد عُبر عن ذلك في باروخ الثاني 29: "يوجد على كل كرمة ألف غصن، وكل غصن يحمل ألفًا من العناقيد، وكل عنقود يحمل ألفًا من العنب، وكل عنبة تحوي كورًا cor (حوالي 120 جالون) من الخمر... هذه ستكون للذين في نهاية العالم". وقد استقى بابياس هذه الفكرة عندما تخيّل مجيء المسيح على الأرض ليملك ألف عام وما تحويه مملكته من كروم خيالية.
في الإنجيل بحسب القديس مرقس بدأ السيد المسيح خدمته إذ "جاء يسوع إلي الجليل يكرز ببشارة ملكوت الله" (مر 1:14). وهنا يحدثنا الإنجيلي عن بدء هذه البشارة المفرحة بحضوره في عرس بقانا الجليل وتحويل الماء إلى خمر. كرز بحضوره، وكرز برد البهجة علي العروسين وأهلهما وأصدقائهما. فإن ملكوت السموات يشبه عشر عذارى "خرجن لاستقبال العريس" (مت 25: 1)، أو "ملكًا صنع عرسًا لابنه" (مت 22: 1). وحسب السيد المسيح حلوله وسط تلاميذ تحولاً لحياتهم إلى عرسٍ، سئل: "لماذا يصوم تلاميذ يوحنا والفريسيين وأما تلاميذك فلا يصومون؟" قال لهم: "هل يستطيع بنو العرس أن يصوموا والعريس معهم؟ مادام العريس معهم لا يستطيعون أن يصوموا. ولكن ستأتي أيام حين يرفع العريس عنهم، فحينئذ يصومون في تلك الأيام" (مر 2: 18-20). يقول الرسول : "الأشياء العتيقة قد مضت، هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 5: 17).
دعوة ربنا يسوع وتلاميذه إلي العرس لم تكن بلا معنى، فإن كان السيد المسيح هو العريس السماوي، فإن التلاميذ وهم بكور كنيسة العهد الجديد هم العروس الروحية. وكأن عرس قانا الجليل وقد تم حسب الناموس والتقليد اليهودي، كان يضم في أعماقه عرسًا خفيًا لم يكن أحد بعد يدركه، عرس السيد المسيح مع كنيسته، هذا الذي يمتد ليس أسبوعًا كما في الطقس اليهودي (تك 29: 27؛ قض 14: 12)، وإنما الزمن كله حتى يعلن في يوم الرب العظيم (رؤ 21: 2).
1, بدأ يسوع بالعمل في العرس، لكي يعلن حبه للبشرية، فيحملها إلى السماء كما إلى حجالٍ للعريس. نتمتع بالفرح السماوي، ونحمل انعكاس بهاء مجده علينا. إنه يؤكد أنه جاء إلى العالم ليحول حياتنا إلى عرسٍ مفرحٍ. تحويل ماء حياتنا إلى خمر يشير إلى الفرح الروحي الأبدي (إش 55 :1؛ أف 18:5-20).
v لقد نزل كلمة اللَّه من السماء، لكي يصير عريسًا للطبيعة الإنسانية، فأخذها مسكنًا له، لكي يخطبها ويقودها إليه فتلد ثمار الحكمة الروحية.
"في اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل،
وكانت أم يسوع هناك". (1)
"في اليوم الثالث"، هكذا أراد الإنجيلي أن يوضح أنه في كل يوم جديد كان السيد المسيح يقوم بعملٍ جديدٍ وخدمةٍ جديدةٍ. لم يعبر يوم من أيام حياته على الأرض دون عمل. هكذا من يرتبط بالسيد المسيح تصير أيام حياته كلها أيام عمل، ليس من بينها يوم مفقود.
قوله "في اليوم الثالث" لا يخلو من معنى رمزي، فقد جاء يسوع المسيح بنفسه إلى كنيسته في المرحلة الثالثة ليقيم عرسه معها. العصر الأول هو عصر الآباء ما قبل الناموس، والثاني عصر الأنبياء في ظل الناموس، والثالث عهد النعمة حيث أشرق النور الحقيقي على العالم ليبدد ظلمته.
v يحتفل بالزفاف في اليوم الثالث، أي في العصر الأخير من العالم. فالعدد الثلاثي يشير إلينا بالبداية والوسط والنهاية.
v تم الزواج في اليوم الثالث، أي في نهاية (ملء) الدهور، لأن رقم ثلاثة هو البداية والوسط والنهاية. وهذه الثلاثة هي أبعاد الزمن كله. وينسجم تمامًا مع ما قاله أحد الأنبياء: "لقد ضُرب وسيعصبنا، بعد يومين يحيينا، وفي اليوم الثالث يقيمنا... لنحيا قدامه" (هو 1:6-3).
"ودُعي أيضا يسوع وتلاميذه إلى العرس". (2)
عدم مفارقة السيد المسيح وتلاميذه للعرس يكشف عن روح العروسين وأهلهما وأصدقائهما. كان الجميع يسلكون كما يليق في الرب، فلا يدعون يسوع إلى حين ليستأذن فيتحول العرس إلى حياة خليعة غير لائقة.
v الذي ذهب مرة واحدة فقط إلى الزواج يعلمنا ألا تتزوج المرأة إلا مرة واحدة (مادام رجلها حيًّا)، لكن هذه الحقيقة يمكن أن تكون ضد البتولية إن فشلنا في إعطاء الزواج وضعه اللائق... الهراطقة وحدهم هم الذين يحتقرون الزواج فيطأون وصية اللَّه بأقدامهم، أما نحن فنصغي بكل بهجة إلى الكلمة التي قالها ربنا في مديحه للزواج. فإن الكنيسة لا تشجب الزواج، وإنما فقط تخضعه.
v جاء (إلى العرس) لكي يقدس بداية ميلاده، أعني ميلاده حسب الجسد... أن يهيئ نعمة، مقدمًا إياها للذين سيولدون، ويجعل مجيئهم مقدسًا...
v قيل للمرأة من قبل اللَّه: "بالحزن سوف تحبلين" (تك 16:3). ألم تكن الحاجة بالأكثر إلى القضاء على هذا اللعنة أيضًا، وإلا كيف يمكننا أن نتفادى زواجًا مدانًا؟ لكن لأن المخلص هو محب البشر فإنه هو الذي يرفع هذه اللعنة، إذ هو فرح الكل وسعادتهم. لقد أكرم الزواج بحضوره لكي يزيل العار القديم الخاص بالحبل. لأنه إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة، الأشياء القديمة قد مضت. هوذا الكل قد صار جديدًا" (2 كو 17:5).
v لم يأتِ المخلص إلى العرس بإرادته وحده، بل بدعوةٍ، أي برجاء وإلحاح أصوات القديسين، ولكن الخمر فرغت ولم يعد لدى المحتفلين منها أي شيء، لأن الناموس لم يكمل شيئًا، ولم تعطِ الوصايا الموسوية الفرح، ولم يستطع الناموس الطبيعي المغروس فينا أن يخلصنا.
ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له:
ليس لهم خمر". (3)
لم يذكر الإنجيلي أن القديسة مريم قد دُعيت للعرس، بل دُعي يسوع وتلاميذه الخمسة (حتى ذلك الحين)، لكنها كانت حاضرة غالبًا بكونها أحد أفراد العائلة.
إذ يُدعى السيد المسيح للحضور بالصلاة، يحل ومعه قديسيه (تلاميذه) ليحول الفرح إلى الكنيسة مقدسة، ويفيض على العروسين وكل الحاضرين من ينابيع فرحه السماوي.
ربما يتساءل البعض: مادام السيد المسيح لم يفعل قبلاً معجزات، فكيف عرفت القديسة مريم أنه قادر أن يقدم للعرس خمرًا بطريقةٍ معجزية؟
لم يكن قد صنع السيد المسيح عملاً معجزيًا علانية من قبل، غير أن القديسة مريم وقد عرفت إمكانياته الإلهية وصلاحه وترفقه بالغير توقعت أنه حتمًا يفعل شيئًا لكي لا يوجد نقص في العرس. إنها تدرك أنه لابد من تدخله عند الضرورة لسد الاحتياجات.
v يليق هنا التساؤل من أين جاء في ذهن أمه أن تتصور في ابنها أمرًا عظيمًا، إذ لم يكن بعد قد صنع أية معجزة، حيث يقول الإنجيلي: هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل"(11)... الحبل به نفسه والظروف المحيطة به قد أوحى لها بفكر عظيم للغاية من جهة الطفل، إذ قال لوقا: "إذ سمعت كل الأقوال عن الطفل كانت تحفظ جميع هذه الأمور في قلبها" (راجع لو 2: 51).
"قال لها يسوع: ما لي ولك يا امرأة؟ لم تأتِ ساعتي بعد". (4)
لم يلقِ السيد المسيح باللوم على العروسين أو أهلهما لأنهم لم يعدوا خمرًا كافيًا، ولم يلم والدته لأنها تدخلت في الأمر، إنما أوضح لها أن لكل عمل وقته أو ساعته المناسبة.
يتعجب البعض كيف يدعو يسوع أمه "يا امرأة" لكن هذه الدهشة تزول حين نراه علي الصليب يكرر: "يا امرأة هوذا ابنك"، فهو يتحدث معها في بدء خدمة الآيات التي تمثل إشارة لبدء حمل الصليب، حيث يُستعلن شخصه فتثور قوى الظلمة ضده لتخطط لموته. فهو لا يتحدث معها بكونها أمه، لأنه ليس من حقها أن تحدد ساعة الصليب، إنما هذا حق الآب الذي أرسله. فقد جاء يتمم مشيئة الآب ببذل ذاته من أجل خلاص العالم.
حقا لقد رافقته القديسة مريم في أول معجزة وهي لا تدري إنها بدء ساعة الصليب، وبقيت معه حتى لحظات الصليب بكونها ممثلة للكنيسة، حواء الجديدة المرافقة لآدم الثاني في طريق آلامه، حتى يسكب بهاء مجده عليها. لقد قيل لها بعد الحبل بالسيد المسيح: "يجوز في قلبك سيف"، وقد بدأ يخترق قلبها في عرس قانا الجليل ليحمل جراحات الحب!
لم يقل "يا أماه" بل "يا امرأة"، لأن ما يمارسه بخصوص تحويل الماء خمرًا لا يصدر بكونه إنسانًا أخذ جسدًا منها، وإنما بعمل لاهوته. حقًا ليس انفصال بين لاهوته وناسوته، وما يمارسه السيد المسيح هو بكونه كلمة الله المتجسد، لكن بعض الأعمال هي خاصة به كابن الله الوحيد، والبعض بكونه ابن الإنسان.
لماذا قال "لم تأتِ ساعتي بعد" وقد قام في نفس الساعة بعمل المعجزة؟ لقد أوضح لها أن ساعته للقيام بآيات علنية ومعجزات عامة أمام الجميع لم تأتِ بعد، لكنه يعمل دومًا. وقد تمم الآية في هدوء بعد أن قدم الخدام الأجران حتى أن رئيس المتكأ والعريس لم يعرفا ذلك وإنما الخدام وحدهم (?).
v لكي تتأكد من احترامه العظيم لأمه استمع إلى لوقا كيف يروي أنه كان "خاضعًا لوالديه" (لو 2: 51)، ويعلن إنجيلينا (يوحنا) كيف كان يدبر أمرها في لحظات الصلب عينها. فإنه حيث لا يسبب الوالدان أية إعاقة في الأمور الخاصة بالله فإننا ملتزمون أن نمهد لهما الطريق، ويكون الخطر عظيمًا إن لم نفعل ذلك. أما إذا طلبا شيئا غير معقول، وسببا عائقًا في أي أمر روحي فمن الخطر أن نطيع! ولهذا فقد أجاب هكذا في هذا الموضع، وأيضًا في موضع آخر يقول: "من هي أمي؟ ومن هم اخوتي؟" (مت 12: 48)، إذ لم يفكروا بعد فيه كما يجب. وهي إذ ولدته أرادت كعادة بقية الأمهات أن توجهه في كل شيء، بينما كان يلزمها أن تكرمه وتسجد له، هذا هو السبب الذي لأجله أجاب هكذا في مثل هذه المناسبة.
v لقد اهتم بالغير واستخدم كل وسيلة ليغرس فيهم الرأي السديد الخاص به، فكم بالأكثر كان يليق به أن يفعل ذلك مع أمه.
"قالت أمه للخدام:
مهما قال لكم فافعلوه". (5)

لم تعاتب ابنها علي كلماته، لأنها أدركت السرّ علي الأقل جزئيًا. شعرت أيضا بعلامات الرضى، فطلبت من الخدام الطاعة بما يوصيهم به السيد المسيح.
استخدم الإنجيلي الكلمة اليونانية "ذياكونيس" لتكشف أنهم خدام أسرار الله الذين يعمل بهم السيد المسيح لخدمة وبهجة شعبه. وكنيسة العهد الجديد تدعو الشمامسة: "ذياكونيين" الذين يقومون بخدمة المذبح مع خدمة الموائد (الاهتمام باحتياجات الفقراء والمرضي..).
في ثقةٍ بحب السيد المسيح للخدمة وحنوه تأكدت أنه حتمًا سيتصرف ويشبع كل نقص. لقد طلبت من الخدام أن يوجهوا أنظارهم إليه ويسمعوا له. هذا هو دور القديسة مريم وكل القديسين ألا وهو توجيه أنظارنا إلى مسيحنا والطاعة الكاملة له.
v بدأت تعمل بأن هيّأت الخدم لكي يجتمعوا لإطاعة ما يأمر به دائمًا.
وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود،
يسع كل واحدٍ مطرين أو ثلاثة". (6)
كانت تُستخدم ستة أجران حسب أيام الأسبوع من الأحد حتى الجمعة، كل جرن يخصص ليومٍ معينٍ للتطهير، أما السبت يوم العبادة والراحة فلا يمارس فيه الشخص عملاً يحتاج إلي تطهير.
ليس عجيبًا أن يحول السيد المسيح الماء إلى خمرٍ، فهو الذي يخرج من الأرض خمرًا (مز ???: ??-??)، حيث يهب الأرض أن تنتج كرومًا يُعصر عنبها ويتحول إلى خمر.
بدأ موسى معجزاته في الضربات العشر بتحويل الماء إلى دمٍ فيه مرارة وموت، لأن الكل كسروا الناموس، وصاروا تحت اللعنة والموت. أما السيد المسيح فحول الماء إلى خمر، حيث قدم رسالة الخلاص المبهجة. جاء المسيح لا ليدين العالم بل ليخلص، ويهب شبعًا وبهجة ومجدًا داخليًا. دعوته الإنجيلية هي: تعالوا إلى الماء واشتروا خمرًا (إش ??: ?).
كانت هذه الأجران تُستخدم للتطهير، إذ لم يكن يجوز لليهودي أن يأكل ما لم يغتسل أولاً (مر ?: ?). كما كان هذا الماء يُستخدم في بعض الطقوس الأخرى الخاصة بالتطهير. وكان المثل السائد بين اليهود: "من يستخدم ماء أكثر في الاغتسال ينال صحة أوفر في هذا العالم".
كانت هذه الأجران للماء فقط لا يوضع فيها خمر، وكانت من الحجارة، حتى إذا وضع فيها خمر قبلاً لا يبقى له أثر، على عكس الفخار الذي قد يتشرب من السوائل القديمة وينضح على الجديدة. كانت الأجران من الحجارة، فقد رأى زكريا الحجر الموضوع أمام وجه يسوع عليه سبعة أعين (زك 3: 9)، أي له معرفة روحية في المسيح يسوع. ورآه القديس بطرس الرسول حجرًا حيًا يُقام منه هيكل الرب (1 بط 4:2، 5).
يرى القديس يوحنا الذهبي الفم إن الإنجيلي يؤكد إنها "حسب تطهير اليهود" ليدرك الكل أنه لم يوضع فيها خمر قط بل ماء للتطهير. كما يقول أن فلسطين بلد تُعرف بقلة المياه، فلا توجد القنوات والينابيع في كل موضع لهذا كانوا يملأون الأجران بالماء، حتى لا يسرعوا إلي الأنهار متى تدنسوا في أي وقت، بل يجدون وسائل التطهير بين أيديهم.
يرى البعض الأجران الستة تشير إلى أزمنة العالم الستة التي مرّت بالإنسانية حتى مجيء الرب في الزمن السابع (في الختم السابع في سفر الرؤيا)، وكأنها تشير إلى المؤمنين عبر كل الأجيال الذين يتطهرون من خطاياهم ويشربون خمر الروح المفرح. هذه العصور كما يقول القديس أغسطينوس هي:
أ‌. من آدم إلى نوح.
ب‌. من نوح إلى إبراهيم.
ت‌. من إبراهيم إلى داود.
ث‌. داود إلى السبي البابلي.
ج‌. من السبي البابلي إلى يوحنا المعمدان.
ح‌. من يوحنا المعمدان إلى نهاية العالم.
يعود فيقول القديس أغسطينوس: [أضف إلى هذا أن اللَّه خلق الإنسان على صورته في اليوم السادس، لأنه في العصر السادس أُعلن تجديد ذهننا بالإنجيل ليصير على صورة خالقه، وتحول الماء إلى خمرٍ، لنتذوق المسيح. هذا أُعلنه في الناموس والأنبياء. لهذا وجد ستة أجران وأمر أن تُملأ ماءً. الآن هذه الأجران الستة تعني العصور الستة التي لم تكن بدون نبوات. وهذه الفترات الست انقسمت وانفصلت كما بمفاصل، تبقى فارغة ما لم يملأها المسيح... يلزم أن يُفهم المسيح في كل النبوة].
ماذا يعني بقوله: "يسع كل واحدٍ مطرين أو ثلاثة" (6)؟ يقول القديس أغسطينوس أن كلمة مطر في اليونانية metrou هو قياس معين، وأن رقم اثنين يشير إلى الآب والابن، والثلاثة يشير إلى الثالوث القدوس. فإنه لم يقل بعض الأجران تسع اثنين والبعض ثلاثة أمطار، بل قال إن كل واحدٍ يسع مطرين أو ثلاثة. حيث جاءت النبوات في أسفار العهد القديم تتحدث عن الآب والابن (السيد المسيح)، وحملت ضمنًا الحديث عن الروح القدس بكونه روح الآب وروح الابن في نفس الوقت. ويرى القديس أغسطينوس [إن الروح القدس هو روح الحب الذي يربط الآب والابن معًا. عندما يقول اثنين يفهم الثالوث القدوس دون أن يُعبر عنه، وأما القول ثلاثة فيفهم منه الثالوث القدوس ويُعبر عنه].
قلنا أن هذه الأجران الستة تشير إلى الست حقبات التي تتنبأت عن عرس السيد المسيح مع الكنيسة التي من كل الأمم.
1. الجرن الأول يبدأ بآدم الذي يحمل اتحادًا مع حواء وصارا جسدًا واحدًا (تك 2: 24) كاتحاد المسيح بكنيسة (أف 3: 31)، وهما والدان لكل البشرية، وليسا للشعب اليهودي وحده.
2. الجرن الثاني يبدأ بنوح الممثل للسيد المسيح، وقد ضم في فلكه حيوانات وطيور من كل العالم.
3. الجرن الثالث يشير إلى إبراهيم الذي بنسله تتبارك كل الأمم.
4. الجرن الرابع داود المرتل: "قم يا اللَّه دنْ الأرض، لأنك أنت تمتلك كل الأمم" (مز 82: 8)، وقد وضع نغماته آساف المرتل.
5. الجرن الخامس حيث السبي البابلي، فيه رأى دانيال النبي السيد المسيح كحجرٍ صغيرٍ مقطوع بغير أيدِ بشرية وقد ملأ الأرض كلها (دا 2: 34).
6. الجرن السادس ينتمي ليوحنا المعمدان أعظم مواليد النساء، الذي قيل عنه أنه أعظم من نبي (مت11: 11)، وقد تنبأ عن المسيح أنه مرسل لكل الأمم، إذ يقول "إن اللَّه قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت 3: 9). هكذا يرى القديس أغسطينوس أن الجرن السادس قد شهد لعرس السيد المسيح مع الكنيسة المجتمعة من الأمم. [لأنه من هذه الأمم نحن نأتي، ولكن ما كان يمكننا أن نأتي منها لو لم يقم اللَّه من الحجارة أبناء لإبراهيم. نحن صرنا أبناء إبراهيم بامتثالنا بإيمانه، وليس بميلادنا منه حسب الجسد].
"قال لهم يسوع:
املأوا الأجران ماء،
فملأوها إلى فوق". (7)
كان يمكن أن يخلق الخمر من العدم، لكنه حول الماء خمرًا ليؤكد أنه ما جاء ليتجاهل الناموس أو يبطله، بل ليكمله، فجاء الإنجيل امتدادًا روحيًا للناموس في غير حرفية. ولكي يجعل الذين استقوا الماء بأنفسهم شهودًا على الأعجوبة الكائنة، ويشهدون أن الأعجوبة لم تكن خيالاً.
يرى القديس أغسطينوس أن الماء هنا يشير إلى العهد القديم "الناموس والأنبياء والمزامير"، العهد القديم كله الذي كان له مذاق الماء لمن لم يدركه روحيًا ويكتشف فيه سرّ المسيح. وقد جاء السيد ليحول الماء إلى خمر مفرح، له مذاق جديد وفاعلية جديدة. [كيف حوّل الماء خمرً؟ عندما فتح فهمهم وشرح لهم الكتب المقدسة، مبتدأ من موسى وكل الأنبياء، فسكروا وقالوا: "ألم تكن قلوبنا ملتهبة فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب؟!" (لو 24: 32). فقد فهموا المسيح في هذه الكتب، الذي لم يعرفوه من قبل. هكذا حوّل ربنا يسوع الماء إلى خمر، وصار له الآن مذاقًا لم يكن له من قبل، صار الآن يُسكر، الأمر الذي لم يكن له من قبل... لقد أظهر لنا أن الكتاب القديم هو من عنده، إذ بأمره امتلأت أجران الماء. إنها من الرب حقًا، كانت كتب العهد القديم أيضًا، لكن لم يكن لها مذاق ما لم يُفهم المسيح فيها].
في طاعة لوصية الرب ملأ الخدام الأجران إلي الملء، إلي الحافة العليا. هكذا لا يليق بالخادم أن يستريح حتى يتمم الوصية بأن يتلمس في خدمته عمل السيد المسيح "الملء الذي يملأ الكل في الكل" (أف 1: 23). لأنه ليس بكيل يعطي الروح" (يو 3: 34). ليس ما يشغل رجل الله إلا تمتع كل نفسٍ بغنى مجد المسيح الذي لا يُستقصي، فيترنم: "من ملئه نحن جميعًا أخذنا، ونعمة فوق نعمة" (يو 1: 16).
الذي حول الماء خمرا، والذي يبعث الأمطار إلينا كان قادرًا أن يملأ الأجران ماء، ثم يحوله إلي خمر. لكنه في حبه للبشرية لا يتجاهل التزامنا بالعمل معه. فمادام في استطاعتنا أن نملأ الأجران ماء نعمل ما في وسعنا، ويعمل هو ما يستحيل علينا عمله. هكذا في كثير من الأعمال يهبنا كرامة العمل معه ولحساب ملكوته فينا، فيطلب من الحاضرين أن يرفعوا الحجر عن القبر، ويأمر لعازر أن يخرج. هو يهب الحياة والقيامة، ويطلب من التلاميذ أن يحلوا الميت من الأربطة. بهذا نترنم مع الرسول متهللين: "العاملان مع الله"!
"ثم قال لهم:
استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ،
فقدموا". (8)

لم نسمع أنه استدعى اسم الله أو صلى على الماء، لكنه أصدر أمرًا بملء الأجران، وفي الحال طلب تقديم ما بالأجران. لم يطلب حتى أن يقدموا له لكي يذوق ما بها.
لم يصنع المعجزة لكي يظهر ذاته علانية، بل لكي يشبع احتياجاتهم. وقد أمر الخدام أن يقدموه في الحال. فإنه لا يهب الوزنة لكي ندفنها، بل كي نعمل دومًا، منتهزين كل فرصة للخدمة.
لم يكن السيد المسيح "رئيس المتكأ" بل كان صديقًا للعروسين، وخادمًا للكل. هذا هو كرسي الرئاسة الحقيقية، أن يبذل الإنسان نفسه بالحب وبروح التواضع من أجل الآخرين.
 
"فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرًا،
ولم يكن يعلم من أين هي،
لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا،
دعا رئيس المتكأ العريس". (9)

جاءت الكلمة اليونانية المترجمة "استقوا" هي نفس الكلمة العربية الدارجة "نطل"، وتعني السحب من مصدر عميق. فالأجران ضخمة جدًا وأفواهها متسعة، ولا يمكن سكب الخمر منها إلا بسحبها بكوز يده طويلة. إذ يليق بخادم السرّ والكارز بالإنجيل أن يمد يده إلي الأعماق، ويسحب من فيض عطية الله العظمى كمن يسحب من ينبوع إلهي لا ينضب.
"وقال له:
كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولاً،
ومتى سكروا فحينئذ الدون،
أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن". (10)

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لكي لا يقول أحد أن الشهادة قد صدرت عن أناس سكرى لا يدرون الفارق بين الخمر والماء، جاءت الشهادة من رئيس المتكأ. وحتمًا كان رئيس المتكأ يحرص ألا يسكر، إذ يلتزم بتدبير أمر العرس بوقارٍ وحكمةٍ.
حرص الإنجيلي أن يقول عن رئيس المتكأ: "ولما ذاق"، أي لم يكن بعد قد شرب حتى من هذا الخمر، إنما ذاقه.
في قانا الجليل حول السيد المسيح الماء خمرًا فبعث بالفرح الروحي في كل المحفل، وفي كنيسة العهد الجديد يحول السيد المسيح بروحه القدوس الخمر إلى دمه المبذول عنا، فيبعث بالفرح السماوي في حياة متناوليه.
v لم يحول المسيح الماء خمرًا فحسب، لكنه صيَّره خمرًا فائق الجودة، لأن عجائب المسيح لها هذه الخاصية، وهي أن تصير أبهى حسنًا وأفضل من الأصناف المتكونة في الطبيعة بكثير، فمن هذه الجهة متى أصلح في الناس عضوًا أعرج من جسمهم، أظهر ذلك العضو أفضل من الأعضاء الصحيحة. والبرهان على أن الماء الصائر خمرًا كان خمرًا فائق الجودة، شهد به ليس الخدام وحدهم، بل ومعهم رئيس متكأ العرس.
"هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل،
وأظهر مجده، فآمن به تلاميذه". (11)
هنا بدء الكشف عن مفهوم "المجد" في هذا السفر، وهو: "الحضرة الإلهية". اللَّه يمجدنا حينما يعلن حضوره فينا، ونحن نمجده حينما نعلن حضوره في العالم. ففي هذه الآية أُعلن حضور الآب في ابنه وحيد الجنس، الذي يخبر عنه.
v الذي صنع الماء خمرًا يستطيع أن يجعل الحجارة خبزًا، فالسلطان واحد. لقد جربه الشيطان بذلك لكن المسيح لم يفعل ذلك. لأنكم تعلمون أنه عندما جُرب الرب المسيح اقترح الشيطان عليه ذلك. فقد كان جائعًا، حيث كان له ذلك كهبة منه، فقد مارس ذلك (أنه جائع) كنوعٍ من تواضعه. كان الخبز (المسيح) جائعًا، كما أن الطريق خائرًا، وواهب الصحة مجروحًا، والحياة ميتًا... لم يصنع خبزًا من الحجارة، ذاك الذي يمكنه أن يفعل هذا بسهولة كما حول الماء خمرًا... فإنه ليس شيء يجعل المجرب مهزومًا مثل احتقاره. وعندما غلب تجربة الشيطان "جاءت ملائكة وخدمته" (مت ?: ??)...
لماذا فعل هذه ولم يفعل تلك؟... عندما حول الماء خمرًا ماذا يضيف الإنجيلي؟ "وآمن تلاميذه به" (يو ?: ??). فهل كان للشيطان أن يؤمن به؟.

"وبعد هذا انحدر إلى كفرناحوم هو وأمه واخوته وتلاميذه،
وأقاموا هناك أياما ليست كثيرة". (12)
يرى العلامة أوريجينوس أن كلمة "كفرناحوم" تعني "حقل الحث".
يقول العلامة أوريجينوس أن يسوع ومن معه انحدروا إلى كفرناحوم حيث لم يقيموا أيامًا كثيرة لأن من هم في الأسفل أو المنحدر ليس لديهم موضع لبقاء يسوع وقديسيه إلى أيام كثيرة. إنهم منحدر "حقل الحث" الذي لا يقدر أن يتقبل إمكانية الاستنارة بالتعاليم الكثيرة، إنما يكتفي بالحث القليل. أما النفوس العالية المرتفعة روحيًا فتتمتع بالوعد الإلهي: "ها أنا معكم كل الأيام وإلى انقضاء الدهر"، وليس إلى أيام ليس بكثيرة.
إذ نُصلب مع مسيحنا يقيم ليس فقط معنا إلى أيام قليلة بل وفينا، فنقول مع الرسول: "لا أحيا أنا بل المسيح يحيا فيَّ" (? كو ??: ?). هكذا يسكن فينا ويحيا ويتكلم إلى انقضاء الدهر.
v بعد الفرح بالخمر كان من الضروري للمخلص مع أمه وتلاميذه أن يدخلوا "حقل الحث" لكي يحثوا التلاميذ على وجود ثمار في حقل خصب، وإن تحبل النفس به بالروح القدس، أو يحثوا أولئك الذين ينتفعون هناك".
ماذا يقصد بتعبير "اخوته"؟ يقول القديس أغسطينوس كل من يمتون بعلاقة دموية بمريم يحسبون اخوته، مستشهدًا بذلك من الكتاب المقدس. فقد دُعي لوط ابن أخ إبراهيم أخًا له (تك 13: 8؛ 14: 14). ودُعي لابان خال يعقوب أخًا له (تك 28: 5؛ 29: 12، 15). كما تحدث السيد المسيح عن تلاميذه أنهم اخوته (مت12: 46-50).


أخر تحديث للصفحة: 26 يناير 2007
     Today's visits: 107      Total visits: 807385